السعيد شنوقة

255

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ثانيا : التأويل بالإعراب ( النحو ) ركز المعتزلة في الدفاع عن الإسلام على أساسين مهمين : الفلسفة واللغة . لم يقصدوا بحث الفلسفة لذاتها في أول الأمر وإنما طلبوها لأنهم لاحظوا تمكّن خصومهم ومعارضيهم من العلوم العقلية وإتقانهم للجدل والمناظرة فأدركوا بأنه لكي يغلبوهم في الاحتجاج والبرهنة في المسائل المثارة والقضايا المطروحة للنقاش ، لا بدّ أن يحذقوا درس الفلسفة ويتمكنوا من استيعاب مسائلها وإتقان مناهج التفكير فيها وأدوات جدلها وتعزيز آرائهم بها ؛ لأن الاعتماد على النقل وحده غير كاف في إقناع الخصوم ، وغير كاف في إلزامهم الحجة ما لم يؤسسوه على نظر عقلي قائم على أدلة تعضدها ، وتبرز صحتها . وهكذا طلبوها ؛ فكانوا أبرز المتكلمين في الإسلام . خلّد التاريخ مسعاهم لأنهم أنجزوا ما كان الدين آنذاك في أمسّ الحاجة إليه في الاستعانة بمنهج علم الكلام الذي استمدوه من الثقافة الإسلامية ودائرتها أولا وكذلك في الاعتماد على منهج الفلسفة وأدواتها التي خبروها لاحقا من الأمم التي سبقت إليها . وكان ذلك بهدف توضيح قضايا الدين وفضائله وتقريبه من العقول لتفهمه وتعتنقه الشعوب تباعا ، فحققوا بذلك نهضته وانتشاره . ولما كان موقفهم في ذلك الخضم خطابيا ودعوة للدين حرصوا أيضا على حذق أداة الخطاب والتمرس باللغة وأساليبها وعلومها فحفظوا روائع الكلم قرآنا وشعرا فأضحوا بذلك وبما أتقنوه في الكلام والفلسفة يشكلون مدرسة تضم طبقة مثقفة واعية تقوم على علماء متبحّرين في علم الكلام وفي الأدب والتفسير وعلومه التي منها علم النحو . ولم ينكر أحد جلائل أعمالهم في إطار التفسير خدمة للقرآن وللدين في إطار أصولهم الخمسة التي التزموا بها التزاما تنزيها لله عز وجل وإقرارا لتوحيده وعدله . وكان من الطبيعي وهم الذين حذقوا النحو مع غيره من العلوم أن يوظفوه في تفسيرهم لأغراض أصولهم ؛ لذا تأوّلوا الإعراب واعتمدوا على تخريج التركيب لخدمة أفكارهم وتأييد أصولهم . ولنا في تفسير الزمخشري نماذج في هذه النزعة والتأويل . يرى الزمخشري التسمية باسم الله في مستهل الفعل يعتدّ بها في شرعية الفعل لا في وجوده لأن وجود الفعل بحسب معتقده الاعتزالي راجع لقدرة العبد وهو